ابن عجيبة
361
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
دخلوا وقت الحديبية ، في المدة التي كانت بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبين قريش ، فلم يكن نقض إلا قريش وبنو الديل من بنى بكر ، فأمر المسلمون بإتمام العهد لمن لم يكن نقض . وقال ابن عباس : هم قريش ، وقال مجاهد : خزاعة ، وفي هذين القولين نظر ؛ لأن قريشا وخزاعة كانوا أسلموا وقت الأذان ؛ لأنهم أسلموا في الفتح ، والأذان بعده بسنة . قال تعالى في شأن من استثنى : فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ على العهد ولم يغدروا ، فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ على الوفاء ، أي : تربصوا بهم وانتظروا أمرهم ، فإن استقاموا لكم فاستقيموا لهم ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ الذين إذا عاهدوا وفوا ، وإذا قالوا صدقوا . ثم كرر استبعاد وفائهم فقال : كَيْفَ يصح منهم الوفاء بعهدكم وَ هم إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ويظفروا بكم في وقعة لا يَرْقُبُوا أي : لا يراعوا فِيكُمْ إِلًّا ؛ قرابة أو حلفا ، وقيل : ربوبية ، أي : لا يراعون فيكم عظمة الربوبية ولا يخافون عقابه ، وَلا ذِمَّةً أي : عهدا ، أو حقّا يعاب على إغفاله ، يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ ؛ بأن يعدوكم بالإيمان ، والطاعة ، والوفاء بالعهد ، في الحال ، مع استبطان الكفر والغدر ، وَتَأْبى أي : تمنع قُلُوبُهُمْ ما تفوه به أفواههم ، وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ متمردون ، لا عقيدة تزجرهم ، ولا مروءة تردعهم ، وتخصيص الأكثر ؛ لما في بعض الكفرة من التمادي على العهد ، والتعفف عما يجر إلى أحدوثة السوء . قاله البيضاوي . اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ أي : استبدلوا بها ثَمَناً قَلِيلًا أي : عرضا يسيرا ، وهو اتباع الأهواء والشهوات ، فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ؛ دينه الموصل إليه ، أو بيته بصد الحجاج عنه . إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي : قبح عملهم هذا ، أو ساء ما كانوا يعملون من كونهم لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً ؛ فيكون تفسيرا لعملهم السوء ، لا تكريرا . وقيل : الأول في الناقضين العهد ، وهذا خاص بالذين اشتروا ، وهم اليهود ، أو الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطمعهم . وقوله تعالى : فِي مُؤْمِنٍ : فيه إشارة إلى أن عداوتهم إنما هي لأجل الإيمان فقط ، وقوله أولا : فِيكُمْ ، كان يحتمل أن يظن ظان أن ذلك للإحن التي وقعت بينهم ، فزال هذا الاحتمال بقوله : فِي مُؤْمِنٍ . قاله ابن عطية . وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ في الشرارة والقبح . فَإِنْ تابُوا عن الكفر ، وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ ؛ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم ، وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ، حث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين وخصال التائبين . قاله البيضاوي . الإشارة : لا ينبغي للخواص أن يثقوا بمحبة العوام ، ولا يغتروا بما يسمعون من عهودهم ، فإن محبتهم على الحروف ، مهما رأوا خلاف ما أملوا من حروفهم ، وأطماعهم ، نكثوا وأدبروا ، فللعارف غنى بالله عنهم . وفي ذلك